بين ذاكرة التاريخ وأفق الغد

2026-03-09 20:50:20 Written by  Published in المقالات العربية Read 20 times

 أعزّاؤنا المستمعون


تحية طيبة لكم أينما كنتم، وأهلاً بكم في هذه الوقفة الفكرية التي نحاول فيها أن نتأمل علاقتنا بالماضي، وكيف يمكن أن تتحّولَ من مصدرِ حكمةٍ إلى عبءٍ يقيّد الحاضر، إذا لم نستخلص منها الدروسَ والعبرَ

يُعدّ الماضي، بكل ما يحمله من أحداث وتجارب ووقائع، مرجعاً أساسياً تستند إليه الأفعال في الحاضر، كما يشكّل أساساً للتطلّع إلى المستقبل. ومن الطبيعي أن نستحضر ذكريات الأمس ونحن نعيش يومنا، لأن التذكّر في حد ذاته ليس مشكلة، بل قد يكون ضرورة لفهم ما نحن عليه اليوم

لكن تذكّر الماضي لا يعني أن نُحبسَ داخله أو نصبح أسرى له ذهنياً. إنما المقصود هو أن نأخذ منه العِبر، وأن نتعلّم من إيجابياته كما من أخطائه. فالمجتمعات التي تتعلّم من تاريخها تستطيع أن تتجنب تكرار الأخطاء، وتبني حاضراً أكثر توازناً، ومستقبلاً أكثر استقراراً

إنّ مواءمة الجوانب الإيجابية من الماضي مع واقع الحاضر، مع تجنّب التكرار الأعمى للأخطاء، هو الطريق الأجدى لأي شعب أو دولة. أما الإصرار على اجترار الماضي دون فهم أو تعلّم، فهو نهج غير مجدٍ، لأنه يعيد إنتاج المآسي ذاتها ويمنع التقدّم

وفي المقابل، فإن استحضار التجارب السلبية بشكل دائم قد يتحول إلى عقبة أمام الأفراد والجماعات وحتى الأطر السياسية، فيعيق قدرتهم على التطلع إلى المستقبل. ولهذا يتطلب التحرر من إرث الماضي السلبي جهداً كبيراً، ونضالاً فكرياً مستمرّين

إذا نظرنا إلى التجربة الإرترية، نجد أن التاريخ ترك بصماته العميقة على الواقع. فقد شهدت إرتريا خلال مراحل كفاحها الوطني تجاربَ قاسية، وما يزال بعض أثر تلك التجارب حاضراً حتى اليوم. لقد كلّفت الشعب الإرتري الكثير من طاقاته وموارده، بل وأسهمت في إطالة أمد معاناته عندما أعادت إنتاج أنماط الماضي بدل تجاوزها والتوجه إلى بناء الدولة ومعالجة سلبيات الماضي

إن الكفاح الطويل الذي خاضه الشعب الإرتري عبر عقود، بل عبر قرون، لا يمكن إنكار ما فيه من صفحات مؤلمة يصعب حتى استعادتها. لذلك فإن المطلوب اليوم ليس نسيان التاريخ، بل الحذر من تكرار أخطائه، وتجنّب البُنى الفكرية القديمة التي تعيق التقدم

ولا شك أن خيبة الأمل التي شعر بها المواطن الإرتري تجاه ممارسات الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة تعكس كيف يمكن للتمسك بفكر سلطوي متجذّر في تجارب الماضي أن يقود إلى الابتعاد عن تطلعات الشعب وتضحياته

وفي كثير من الأحيان، يسكن الماضي الذاكرة الجماعية بكل تعقيداته، صعوداً وهبوطاً، فيتحول إلى عبء مستمر على العمل السياسي ويجعل الخروج من دائرته أمراً صعباً

وعلى الجانب الآخر، تظهر العلاقة المتشابكة بين إرتريا وإثيوبيا كيف يمكن للتاريخ أن يظل حاضراً بقوة في السياسات المعاصرة. ودوماً ما تعود بعض الخطابات السياسية في إثيوبيا إلى أساطير الماضي وتصوراته القديمة عند الحديث عن إرتريا وموانئها، وكأن التاريخ لم يُطوَ بعد

ولا يمكن تجاهل أن تصريحات  القيادات السياسية، والمفكرين الإثيوبيين، ومنهم رئيس الوزراء آبي أحمد، تعكس استمرار هذا الجدل التاريخي، في ظل علاقات معقدة تشكّلت بفعل الاستعمار والتداخل الاجتماعي والثقافي والجغرافي بين البلدين

لقد حقق الإرتريون استقلالهم بعد نضال مرير استمر ثلاثين عاماً، وتوّج باستفتاء شعبي بمراقبة دولية أعاد للبلاد سيادتها. وكان اعتراف الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي بهذه السيادة خطوة تاريخية ساهمت في تجنيب الشعبين مزيداً من الخسائر

ولو جرى الالتزام التام باحترام السيادة والحدود وفق القوانين والأعراف الدولية، لكان ذلك أساساً متيناً لعلاقات مستقرة تخدم مصلحة الشعبين. لكن استمرار الخطابات التي تستحضر أوهام الماضي، مثل الحديث عن حدود تاريخية أو طموحات توسعية، يهدد بإعادة التوترات التي لا تحدد بأي حال من الأحوال مصلحة الشعبين والبلدين

إن الدعوات التي تتجاهل القانون الدولي أو تقلّل من شأنه تعكس مدى خطورة الغرق في الماضي، لأن تجاهل الإتفاقيات والحدود المعترف بها دولياً لا يؤدي إلا إلى مزيد من النزاع وعدم الاستقرار

ومن المهم التذكير بأن انتهاك سيادة أي دولة لا يضر بالآخرين فحسب، بل ينعكس سلباً على من يقوم به أيضاً، لأن احترام السيادة هو أساس العلاقات الدولية الحديثة

إرتريا اليوم دولة ذات سيادة براً وبحراً وجواً، وحماية هذه السيادة مسؤولية وطنية وقانونية. وأي محاولة للمساس بها تُعد عملاً عدوانياً يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار الإقليمي

وفي المقابل، فإن الحكمة تقتضي أن تدرك جميع الأطراف أن المستقبل لا يُبنى بالأوهام ولا بإحياء صراعات الماضي، بل بالحوار والاحترام المتبادل والالتزام بالقانون الدولي

إن الدرس الأهم الذي يمكن أن نتعلمه هو أن الماضي يجب أن يكون معلّماً لا سجناً. نستحضره لنفهم، لا لنتقوقع. نتعلم منه لنمضي إلى الأمام، لا لنعود إلى الوراء

فالشعوب التي تنجح هي تلك التي تملك شجاعة مواجهة تاريخها بصدق، ثم تمتلك الجرأة لفتح صفحة جديدة تبني فيها مستقبلاً أفضل لأجيالها القادمة.
يبقى الأمل دائماً في أن تتحول ذاكرة التاريخ من عبء ثقيل إلى مصدر حكمة، وأن يصبح الحاضر مساحة للعمل المشترك على مبدأ حسن الجوار والتكامل الاقتصادي ، وأن يكون المستقبل أفقاً مفتوحاً للسلام والاستقر
ار

Last modified on Monday, 09 March 2026 21:55