العصبيات، وغياب دور المثقف الإرتري
2026-05-04 06:48:22 Written by ኤርትርያ ኣል-ቶውቂ Published in المقالات العربية Read 18 timesخاض شعبنا الإرتري نضالاً طويلاً ومريراً من أجل الحرية والتغيير الديمقراطي، منذ استقلال البلاد، وظهور بوادر الاستبداد. ولكن بالرغم من ذلك تعثّر التغيير وطالت ليالي الظلم. وبالطبع هناك أسباب أدّت لذلك؛ من أبرزها انتشار العصبيات بمختلف أشكالها، وصمت المثقف، أو تقاعسه عن أداء دوره، مما جعل حراكنا بلا تقدّم.. وكأنّه يدور في حلقة مفرغة… مكانك سِر!.
لا نقول هنا أنّ العصبيات الدينية، والقبلية، والجهوية لم تكن موجودة قبل بروز سلطة الهقدف، وتفرّدها بالحكم، لأنّ تلك العصبيات في حالتها الطبيعية، باعتبارها إنتماءً وهوية، وبتجذرّها في التاريخ والثقافة لدى المكوّنات الإرترية، لم تكن مشكلة في حدّ ذاتها، بل صارت كذلك حين تمّ استخدامها سياسياً من قبل السلطة الحاكمة؛ فبدل إدارة التنوّع بعدالة، تحفظ إنسانية وكرامة المواطن الإرتري، عملت على جعله مصدراً لصراعات عقيمة لا تهدأ، عبر سياسة فرّق تسد، التي انتهجتها. مما أدّى بدوره إلى انقسام المجتمع الإرتري، وبالتالي غياب هويّة وطنية جامعة، وتآكل الثقة بين المواطنين.
في ظل واقع مأزوم كهذا، كان من المفترض أن يؤدّي المثقف الإرتري دوره؛ أن يكون صوتاً واعياً كما يجب أن يكون عليه، وناقداً، ومحذّراً من مخاطر الانقسام. لكن هذا الدور ظلّ غائباً إلى حدّ كبير.. إلاّ ما ندر من أسماء قليلة تُعد على أصابع اليد .. فلماذا حدث ذلك؟.
تتعدّد الأسباب … هناك من صمت خوفاً من القمع، أو الاعتقال والتغييب القسري أو التصفية الجسدية؛ ولا يمكننا هنا إغفال أن البيئة القمعية التي يفرضها النظام في الداخل، وفي الخارج عبر التخويف الممنهج للمعارضين، باستهداف ذويهم وممتلكاتهم ، ساهمَ بقدر كبير على قدرة المثقف على أداء دوره.. وهناك من صمتَ تواطؤاً؛ إما بدافع الانتماءات الضيقة، أو انسجاماً مع خطاب السلطة.. وهناك من انحازَ بشكل مباشر، وشاركَ في ترويج خطاب الكراهية، ونشرِ الشائعات والتضليلِ، وتخوين الآخر وتشويهه، وتعميق الانقسامات، وهناك المثقف الأناني؛ من نأى بنفسه بعيداً عن هموم الوطن، وسعى لخلاصه الشخصي، ومنفعته. وفي ظل تقاعس المثقف الذي يُفترض أنه معارض للسلطة، عن أداء دوره، يجد المواطن نفسه مشوّشاً، يتلقّف الخطاب.. ويتبنّاهُ على أنه حقيقة.. يشعر بالتهديد، فيبدأ بالانكفاء على مجموعته، والانغلاق داخل حدودها الضيقة، بحثاً عن الأمان. وهكذا تعمّ الكراهية بين أبناء الوطن الواحد، وتغيب الوحدة الوطنية، التي هي أساس أي تغيير ديمقراطيّ حقيقيّ.
إذا كنا جادّين في بناء مستقبل أفضل لنا وللأجيال القادمة، فلا بدّ من مواجهة هذا الواقع بشجاعة. علينا أن نرفض خطاب الكراهية، وأن نحارب سوياً كل من يروّج له… يجب ألا نخشى من مواجهة جميع من يعملون على توسيع الهوة بين مجتمعنا الإرتري؛ نبدأ أولاً بأقرب الناس إلينا، من تربطنا بهم صلات قُربى، أو عمل، أو مجاورين لنا في السكن؛ نحاورهم بهدوء وحكمة.. بثباتٍ نابع من مبادئ وقيم الثورة الإرترية المجيدة، وصمود سنوات النضال الطويلة.. واضعين مصلحة شعبنا نصب أعيننا.
ويبقى العبء الأكبر في محاربة الانتماءات والولاءات الضيقة، على المثقف الذي اختار معارضة النظام الحاكم، عن وعيٍ تام.. الذي اختار الوقوف إلى جانب شعبه، وإلى الجانب الصحيح من التاريخ… هذا المثقف يجب أن يتحلّى بالشجاعة والمعرفة معاً، بحيث تفيده المعرفة بتكوين فكرة شاملة عن مشاكل شعبنا، تلك المشاكل الحقيقية وليست المتوَهمة، التي يبثّ سمومها عناصر النظام الحاكم.. وتفيده الشجاعة في قول الحقيقة كما هي دون مواربة، أو مجاملة، أو تمييع. وعليه قبل كل شيء ألاّ يتأثّر بسُعار وسائل التواصل الاجتماعي… فالمثقف الحُر يُفترض أنه يمتلك حصانة ضد تلك الأمراض.. وهو لذلك لا ينجرف مع خطاب التحريضِ؛ بل يتبنّى خطاب الحقيقة، وهو دوماً يتحرّى الصدق قولاً وفعلاً.. لا يطبطب على الجراح، لا يخدّرها، بل يخرجها إلى العلن، ويحاول إيجاد الحلول والدواء الناجع لها حتى تطيب.
إنّ أولى العتبات نحو التغيير الديمقراطي تبدأ حين ينجح المثقّف في استعادة دوره الحقيقيّ في محاربة كل المشاكل الناجمة عن تأجيج العصبيات، والعمل على نشر الوعي الحر بشجاعة ومسؤولية.