تُرسخ المعاهدات والاتفاقيات الدولية هوية إرتريا الوطنية، وتؤكد سيادتها الكاملة على أراضيها، وتُسقط في الوقت ذاته كل الأوهام التي راهنت – عبر التاريخ – على الاحتلال أو التعدي أو فرض الأمر الواقع.
لقد جُرِّبت هذه الأساليب مرارًا، ولم تُجدِ نفعًا، لأن السيادة لا تُنتزع بالقوة، بل تُرسَّخ بالشرعية التاريخية والقانونية وإرادة الشعوب
إن المعاهدات والاتفاقيات التي مكّنت العالم من المضي قدمًا نحو السلام والتعاون، هي تلك التي قامت على احترام السيادة الوطنية، والتعايش المشترك، والمصالح المتبادلة. فهذه المبادئ تشكّل الأساس الحقيقي للعلاقات الدولية السليمة، وتمنع العالم من التحول إلى ساحة يهيمن فيها الأقوياء على حساب الضعفاء
بعض هذه المعاهدات ذات طابع عالمي، وأخرى ثنائية أو ثلاثية، تنظم العلاقات بين الدول، وكثيرًا ما تتطور الاتفاقيات الثنائية لتصبح أوسع نطاقًا وأكثر شمولًا. وتتحمل المنظمات الدولية والإقليمية مسؤولية متابعة تنفيذ هذه الاتفاقيات وضمان الالتزام بها، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، ومنظمة الإيقاد
ولا تُكتسب سيادة أي دولة باعتراف عابر أو ظرف مؤقت، بل تمر بمسار تاريخي وقانوني واضح. وقد سلكت إرتريا هذا المسار بكل تعقيداته وتحدياته حتى بلغت وضعها الحالي كدولة مستقلة ذات سيادة كاملة، رغم محاولات التشكيك التي تروّج لها بعض الأطراف، وعلى رأسها إثيوبيا، والتي تصفها زورًا بأنها “دولة بلا سيادة”، متجاهلة حقائق التاريخ والقانون الدولي
إن سيادة إرتريا لم تكن نتيجة نضال داخلي مشروع فحسب، بل دعمتها أيضًا سلسلة طويلة من المعاهدات والاتفاقيات الدولية المعترف بها، والتي أرست، على مدى 136 عامًا، الأساس القانوني الثابت لوجود الدولة الإرتريّة وحدودها
:ومن بين أبرز هذه المعاهدات
إن هذه المعاهدات ليست مجرد وثائق رمزية أو التزامات مؤقتة تزول بتغير الحكومات، بل هي اتفاقيات ملزمة، وُقِّعت باسم الشعوب والدول، لا باسم الأنظمة الحاكمة. ولهذا، فإن الاتفاقيات المبرمة بين إرتريا وإثيوبيا، منذ الحقبة الاستعمارية وحتى اليوم، ليست خاضعة لأهواء السياسة أو لتبدّل الأنظمة، بل يجب احترامها وتنفيذها دون تعديل أو انتقاص
لقد شكّلت هذه الاتفاقيات، مجتمعة، مسارًا متكاملًا رسّخ سيادة إرتريا وحدودها المعترف بها دوليًا. ورغم ما تعرّضت له أحيانًا من تعطيل أو تفسير انتقائي بسبب تدخلات ومصالح قوى كبرى، فإنها لم تفقد شرعيتها أو قوتها القانونية
ويكفي أن نتذكر كيف فُرض على إرتريا، في لحظة تاريخية حاسمة، اتحاد فدرالي قسري مع إثيوبيا ضد إرادة شعبها، في مثال صارخ على الإكراه الدولي. وقد عبّر وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، جون فوستر دالاس، بوضوح عن هذا المنطق حين قال إن العدالة تقتضي أخذ رأي الشعب الإرتري، لكن “المصالح الاستراتيجية” كانت هي الحاكمة
واليوم، ومع تصاعد التوتر بين إرتريا وإثيوبيا، وعودة الخطاب الذي يلمّح إلى استخدام القوة أو فرض واقع جديد، يُعاد ترديد مقولة إن “إثيوبيا بحاجة إلى منفذ بحري”
ولا أحد ينكر حاجة الدول غير الساحلية إلى تسهيلات بحرية للتجارة، لكن هذه الحاجة لا تمنح أي دولة حق التعدي على سيادة دولة أخرى أو المطالبة بامتلاك سواحل لا تملكها
فالقانون الدولي يوفّر آليات واضحة تُمكّن الدول الحبيسة من استخدام الموانئ عبر اتفاقيات شرعية، كما تفعل إثيوبيا منذ عقود، وكما تفعل دول عديدة، مثل أوغندا التي تستخدم ميناء مومباسا في
.كينيا
أما الانتقال من منطق “الاستفادة” إلى منطق “الملكية”، ومحاولة المساس بسيادة إرتريا، فليس سوى عودة إلى أوهام قديمة أثبت التاريخ فشلها، ولا ينسجم مع ادعاءات الالتزام بالقانون الدولي أو بعضوية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي
ومن هنا، فإن المسؤولية الأخلاقية والسياسية تقع أيضًا على عاتق الشعوب الإثيوبية، كي تتأمل هذا الواقع بعمق، وألا تنساق خلف دعوات متطرفة أو شعارات توسعية تخدم أجندات سياسية
فالسيادة الإرتريّة حقيقة ثابتة، رسّختها المعاهدات، وحمتها التضحيات، وسقطت أمامها
كل أوهام الاحتلال